واليوم لا يملك أي شعب يريد أن يجد له مكانًا على خريطة العالم المعاصِر إلا أن يحترم أسلوب التفكير العلمي ويأخذ به، وكما قلت من قبل: فليس التفكير العلمي هو حشد المعلومات العلمية أو معرفة طرائق البحث في ميدان معيَّن من ميادين العلم، وإنما هو طريقة في النظر إلى الأمور تَعتمِد أساسًا على العقل والبرهان المُقنع — بالتجربة أو بالدليل — وهي طريقة يمكن أن تتوافَر لدى شخص لم يكتسب تدريبًا خاصًّا في أي فرع بعينه من فروع العلم، كما يمكن أن يفتقر إليها أشخاص توافَرَ لهم من المعارف العلمية حظ كبير، واعترف بهم المجتمع بشهاداته الرسمية، فوضَعَهم في مصافِّ العلماء. ولعل الكثيرين منا قد صادفوا — على سبيل المثال — ذلك النمط من التجار الذين لم يكن لهم من الدراسة العلمية المنظَّمة نصيب، ولكنهم يُدبرون شئونهم في حياتهم العمَلية — وربما في حياتهم الخاصة أيضًا — على أساس نظرة عقلانية منطقية إلى العالم وإلى القوانين المتحكمة فيه، دون أن يكون لديهم أيُّ وعي بالأسس التي تقوم عليها نظرتهم هذه، وفي الوجه المقابل لذلك فلقد رأيت بنفسي أشخاصًا يَعدُّهم المجتمع من العلماء — منهم مَنْ وصل في الجامعة إلى كرسي الأستاذية — يدافعون بشدة عن كرامات ينسبونها إلى أشخاص معيَّنين (ليسوا من الأولياء ولا ممن عُرِفَتْ عنهم أية مكانة خاصة بين الصالحين)، تُتيح لهم أن يقوموا بخوارق كاستشفاف أمور تَحدُث في بلد آخر دون أن يتحرَّكوا من موضعهم، أو تحقيق أمنياتهم بصورة مادية مجسَّمة بمجرد أن تطرأ على أذهانهم هذه الأمنيات، وفي أحيان معينة، عبور البحر سيرًا على الأقدام! تلك بالطبع حالات شاذَّة متطرفة، لا يمكن أن تُعبِّر عن وجهة نظر «فئة» كاملة، ولكنها في تطرفها تساعد على إثبات ما نقوله من أن التفكير العلمي شيء وتكديس المعلومات العلمية شيء آخر.
المقطع الخامس · 19:45–22:35
العلم ليس تكديس معلومات
العقلية العلمية طريقة في الحكم تعتمد العقل والدليل، وليست كمية من المعلومات أو الشهادات. لذلك قد يفكر شخص غير متخصص بعقلانية، وقد يقع شخص واسع العلم في الخرافة.
النص الأصلي٢٧١ كلمة
المسافة: تشغيل/إيقاف · الأسهم: تنقّل
اختبار الاسترجاع
اكتب قبل أن تراجع مرة أخرى
أسئلة تثبيت الفهم
- ما الفرق بين التفكير العلمي وتكديس المعلومات؟
- كيف يمكن لشخص غير متخصص أن يفكر علميًا؟
- ما الذي يثبته مثال الأكاديمي الذي يؤمن بالخوارق؟