والحق أنَّ أية محاولة لاعتراض طريق التفكير العلمي في عصرنا الحاضر إنما هي معركة خاسرة؛ فلم يعد للسؤال: هل نتبع طريق العلم أم لا؟ مجال في هذا العصر. بل إنَّ الدول التي تحتل اليوم موقع الصدارة بين بلاد العالم قد حسمَت هذا السؤال منذ أربعة قرون على الأقل، ولم تَعُد هذه المشكلة مطروحة أمامها منذ ذلك الحين. وصحيح أن طريق التفكير العلمي كان في بدايته شاقًّا، وأن المقاومة كانت عنيفة، والمعركة دامية سقط فيها شهداء كثيرون، ولكن العلم اكتسح أمامه كل عناصر المقاومة، وأصبحت القوى المُعادية له والتي كانت في وقتٍ من الأوقات تُمسك بزمام السلطة في جميع الميادين؛ أصبحَت هي التي تبحث لنفسها عن مكان في عالم يسودُه العلم، ومنذ اللحظة التي بدأ فيها عدد محدود من العلماء يَكتشفون حقائق جديدة عن الكون بأسلوب منطقي هادئ، وبناءً على شواهد قاطعة وبراهين مُقنعة لا سبيل إلى الشك فيها. منذ هذه اللحظة أصبحت سيادة العلم مسألةَ وقت فحسب، ولم يَعُد في وسع أية قوة أن تقف في وجه هذه الطريقة القاطعة في اكتساب المعارف الجديدة؛ ذلك لأن العلم ليس قوة معادية لأي شيء، ولا منافسة لأي شيء، والعالم شخص لا يُهدِّد أحدًا، ولا يسعى إلى السيطرة على أحد، وكل المعارك التي حورب فيها العلم والعلماء كانت معارك أساء فيها الآخرون فهم العلم، ولم يكن العلم ولا أصحابُه هم المسئولون عنها. وأعظم خطأ يَرتكبه المدافعون عن مبدأ معيَّن أو عن ضرب من ضروب النشاط الروحي للإنسان، هو أن يَعتقدوا أن العلم مصدر خطر عليهم، ويضعوا مبدأهم أو نشاطهم الرُّوحيَّ في خصومة مع العلم. فعلت هذا الكنيسة الأوروبية في مطلع عصر النهضة؛ فقام رجالها يحاربون العلم الوليد ويَضطهدون رواده، ولم يكن ذلك منهم إلا عن جهل بطبيعة العلم أو طبيعة الدين أو كليهما معًا، وربما كان في بعض الأحيان خوفًا على نفوذ أو دفاعًا عن مصالح يَعتقِدون أن أسلوب المعرفة الجديدة كفيل بتهديدها، فماذا كانت النتيجة آخر الأمر؟ ظل العلم يسير في طريقه بهدوء وثقة، ويُحرز الانتصار تلو الانتصار، وتَعاقَب ظهور العلماء الأفذاذ، الذين كان معظمهم أشخاصًا مخلصين في عقيدتهم الدينية، ولم يكن أحد منهم يتصوَّر أن الجهد الذي يبذله من أجل بسط سيطرة العقل على الطبيعة وتحقيق النفع لإخوته في الإنسانية يمكن أن يُغضب أحدًا، لا سيما إذا كان من رجال الدين، واضطرَّت الكنيسة الأوروبية آخر الأمر إلى التراجُع أمام قوة الحقيقة التي لا يستطيع أن يُنكرها عقل سليم، ولكن تراجُعها ربما كان قد أتى بعد فوات الأوان؛ إذ إن الكثيرين يعزون موجات الإلحاد التي اجتاحت أوروبا — منذ القرن الثامن عشر بوجه خاص — إلى تلك الخصومة التي لم يكن لها داع، والتي افتعلَتها الكنيسة ضد العلم. كلا، إنَّ العلم لا يُهدِّد أحدًا، وإنما هو في أساسه منهج أو أسلوب منظم لرؤية الأشياء وفهم العالم، وكل ما وُجِّه إلى العلم من اتهامات إنما هو في واقع الأمر راجع إلى تدخُّل قُوى أخرى لا شأن للعلم بها، تفسد تأثير العلم أو تُسيء توجيه نتائجه، وهو أمر سنتحدث عنه في ثنايا هذا الكتاب بالتفصيل.
وعلى العكس من ذلك، فإن كل تقدُّم أحرزته البشرية في القرون الأخيرة إنما كان مرتبطًا — بطريق مباشر أو غير مباشر — بالعلم، وإذا كان من المُعترف به أن وجه الحياة على هذه الأرض قد تغيَّر — خلال الأعوام المائة الأخيرة — بأكثر مما تغيَّر خلال ألوف الأعوام السابقة؛ فإنَّ الفضل الأكبر في ذلك إنما يرجع إلى المعرفة العلمية، ويرجع — قبل ذلك — إلى وجود شعوب تَعترف بأهمية هذا اللون من المعرفة وتُقدِّم إليه كل ضروب التشجيع.